Thursday, 2 December 2010

العدد رقم 3685 بتاريخ 2003-08-24


وضع المناطق المهمشة وأثرها على مستقبل السودان السياسي (1-2)
جمعة كنده كومي قدم جمعة كنده كومي الأستاذ في جامعة جوبا ورقة في ندوة «السلام ومستقبل الوحدة الوطنية في السودان» التي عقدت في الخرطوم أخيراً حول «وضع المناطق المهمشة الثلاث وأثرها على مستقبل السودان السياسي».. «الصحافة» تنشر الورقة على حلقتين لأهمية معالجتها لقضية ساخنة لا تزال محل تفاوض ونقاش بين أطراف النزاع السوداني.
1- مقدمة:
تمثل قضية المناطق المهمشة الثلاث (جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وأبيي) تمثل عنصراً مهماً في مفاوضات السلام ومع ذلك ظلت ملفات هذه المناطق بعيداً عن طاولة المفاوضات المختلفة، بالرغم من استمرار موضوعاتها في التقاطع في المناقشات المختلفة بصورة جعلتها تشكل حجر عثرة رئيسية في تقدم المفاوضات إلى نهاياتها المرجوة. وكنتيجة لهذه الوضعية أصبح واضحاً لطرفي النزاع والوسطاء أهمية وحتمية مناقشة ملفات هذه المناطق الثلاث كما حدث في مفاوضات كارن في مارس 2003م. في ضوء هذه المقدمة تحاول هذه الورقة استعراض مفهوم التهميش والمناطق المهمشة بالسودان ومحاولة ايجاد القواسم المشتركة وأثر وضعية هذه المناطق على مستقبل السودان السياسي في ضوء ما يجري من مفاوضات في المسارين الرئيسي والهامشي.
2- مفهوم التهميش ومدلولاته السياسية:
مفهوم التهميش والأقاليم المهمشة ليس مفهوماً سودانياً كما يتبادر إلى أذهان الكثيرين من الساسة في السودان بل هو مفهوم علمي تطبيقي مرتبط بأطروحات ونظريات اجتماعية واقتصادية وسياسية أهمها نظرية المركز والهامش Gore Periphery ومن أهم روادها جون فريدمان وقونار ميردال وهيرشمان. وتتركز هذه النظرية أن الموارد الطبيعية في العالم موزعة توزيعاً غير منتظم. وأن الموارد المتاحة لأي مجتمع دائماً في أية مرحلة من مراحل تطورها هي موارد تتميز بالندرة مقارنة بالاحتياجات والطموحات. وكنتيجة حتمية لهذا الواقع فإن التنمية لا يمكن أن تبدأ في كل مساحة مأهولة بالسكان داخل الدولة بل لابد أن تبدأ التنمية في مناطق محددة أولاً ثم تنداح بناءً على إرادة سياسية محكمة وتخطيط اقتصادي واجتماعي واعٍ يراعي المواءمة بين تحقيق الكفاءة الاقتصادية لاستخدام الموارد وتحقيق المساواة والعدل بين أقاليم الدولة المختلفة وبين قطاعات المجتمع المختلفة. خلاصة هذا لأقول إنه بمجرد بدء التنمية في اقليم أو أقاليم ما بصورة تلقائية تبدأ ظاهرة المركز والهامش بحيث تشكل مناطق السبق التنموي مركزاً تنموياً فيما تشكل المناطق المجاورة للمركز مباشرة «هامش المركز» والمناطق المجاورة للهامش تشكل «هامش الهامش» مع الوضع في الاعتبار أنها ظاهرة ديناميكية غير جامدة تبعاً للتحولات الاقتصادية والسياسية المتداخلة. إن هذا المفهوم ليس مفهوماً ينحصر تطبيقاته على مستوى الدولة بل ينطبق أيضاً على المستوى العالمي إذ يمكن النظر للعالم كله كوحدة جغرافية سكانية بها مناطق تمثل مركز العالم سياسياً واقتصادياً ومناطق أخرى تمثل هامشاً. خلاصة القول إن المشكلة ليست في وجود المركز والهامش باعتبار أنها ظاهرة حتمية في أي مجتمع ولكن المشكلة في وجود أو عدم وجود إرادة سياسية للإعتراف بهذا الواقع والسعي الجاد لمواجهتها لسياسات وخطط واضحة المعالم من أجل التقليل من الآثار السلبية وتعضيد الايجابيات في العلاقات الديناميكية بين المركز والهامش. في الواقع لا يمكن لأية دولة أن تتقدم وتنمو وتستقل سياسياً واجتماعياً إلا من خلال قدرتها في التحكم في الفجوة بين المناطق الأكثر نمواً والمناطق الأقل نمواً وهذا لا يتأتى إلا من خلال تحويل العلاقة بين المركز والهامش إلى علاقة تبادلية منفعية للطرفين وليس علاقة استغلالية لصالح المركز والتي عادة ما تكون نتيجتها استمرار اتساع الفجوة بين المركز والهامش بدلاً عن تحقيق التنمية المتوازنة بين أقاليم الدولة الواحدة. لهذه الإعتبارات تعتبر عملية تخطيط وبرمجة وتنفيذ التنمية الاقليمية بمفهومها المتكامل احدى العوامل الحاسمة في تحقيق التنمية القومية المتوازنة اقليمياً والمستدامة بيئياً والعادلة اجتماعياً لأية دولة من دول العالم سواء أكانت نامية أو متقدمة. إن التنمية القومية بمفهومها الشامل هي مجمل المحصلة النهائية وجهود الدولة والمجتمع في استقلال امكاناتها ومواردها المتاحة على نطاق حدودها وحدود علاقاتها الدولية وهذا يعني بالضروة أن عملية إحداث التنمية القومية الشاملة والاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد لايمكن أن يتحقق دون أن تشهد كل الاقاليم المكونة للدولة طفرة متوازنة نسبياً في النمو والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والادارية. إن غياب مفهوم التنمية المتوازنة في خطط التنمية القومية يعني اتساع الفجوة بين الاقاليم الأكثر نمواً والأقاليم الأقل نمواً وكلما اتسعت الفجوة كلما تنامى شعور الاقاليم الاقل نمواً بالتهميش ومن هنا تبدأ التعبيرات والمطالبات السياسية الاقليمية والتي تتحول بمرور الزمن إلى تنظيمات سياسية تسعى بوسائل مختلفة لتحقيق أهدافها التي كثيراً ما تكون لها أبعاد سياسية عميقة على المستوى القومي.
3- نمط التخطيط التنموي القومي ودوره السلبي في علاقة المركز بالهامش في السودان:
بعد استقلال السودان 1956م ورثت الحكومات الوطنية نمطاً مركزياً في التخطيط والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والادارية والذي كان يتمركز في وسط السودان حيث كان يخدم هذا النمط المركزي أهداف المستعمر المتمثلة في الاستغلال الأمثل لموارد السودان وبأقل تكلفة لصالح نهضتها الصناعية في أوربا خاصة مصانع لانكشير للغزل والنسيج البريطانية والتي اعتمدت بصورة أساسية في نهضتها على أقطان مشروع الجزيرة. ورغم الظهور المبكر لبعض الأصوات التي نادت بمفهوم وشعارات التنمية الاقليمية المتوازنة ولا مركزية الحكم إلا انها اعتبرت أصواتاً اقليمية الأفق وعنصرية النزعة ولا تتمتع بالبعد القومي. وبهذا الفهم تجاهل قيادات السودان السياسية المتتالية حقيقة أن البناء الوطني يجب أن يبدأ من المحل فالإقليم فالوطن كله. فبتركيز مشروعات التنمية جغرافياً بوسط السودان في ما يعرف - بمثلث الخرطوم كوستي سنار- بدأت ظاهرة المركز والهامش مع اتساع الفجوة بصورة تدريجية في المجالات التالية:
أ/ التنمية الاقتصادية والزراعية والصناعية: فمثلاً في مجال التنمية والاستثمار الصناعي نجد انه حتى عام 1980م كان مثلث الرخاء يملك أكثر من «75%» من جملة المصانع في السودان.
ب/ تنمية البنيات التحتية والخدمية مثل الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والطرق والكباري والاتصالات. فمثلاً في مجال التعليم العام تشير بعض الدراسات إلى أن حوالي «750» طفلاً من كل «1000» طفل في عمر المدرسة يجدون فرصة التعليم في المركز بينما ينخفض المتوسط إلى «125» طالباً من «1000» طفل في الهامش. في مجال التعليم العالي نجد أنه حتى عام 1990م كان التعليم العالي مركزاً وبصورة واضحة في الخرطوم والجزيرة عدا جامعة جوبا.
ج/ تنمية المشاركة في قيادة العمل الاداري والسياسي حيث تشير دراسة اجريت في العام 1981م إلى أن «84%» من الدرجات العليا في الخدمة المدنية في السودان عامة يحتلها مواليد مثلث الرخاء (المركز) و«16%» فقط لبقية أقاليم السودان (الهامش).
لقد أحدث هذا التباين في التنمية بين المركز والهامش آثاراً سلبية على الهامش وأهم هذه الآثار تتمثل في خلخلة البنية الاجتماعية والاقتصادية في المناطق المهمشة نتيجة لعدة ظواهر أهمها:
أ- الهجرة المنتقاة من أبناء الهامش إلى المركز وصيرورتهم جزءاً من آليات تحكم المركز على الهامش.
ب- استغلال موارد الهامش الطبيعية الخامة وبأقل تكلفة لصالح المركز حيث يتم تصنيعها ورفع قيمتها وإعادتها بأسعار عالية كمستهلكات في الهامش.
ج- استغلال موارد الهامش البشرية غير المدربة وبأجور زهيدة في أعمال هامشية وخدمية تعتمد على الجهد البدني لصالح رفاهية مجتمع واقتصاد المركز.
لقد أدت هذه الظواهر إلى انهيار ركائز التنمية ليس في المناطق المهمشة فحسب بل في المركز أيضاً لاعتماده أساساً على قدرات الريف الطبيعية والبشرية في نهضتها وبالتالي انهارت التنمية القومية بأكمالها بصورة تدريجية مما أدى إلى الاضطراب السياسي والأزمات الاقتصادية والخلخلة في البنية الاجتماعية في السودان. خلاصة هذا القول هو إن عدم التوازن الاقليمي في التنمية وأبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتي يعانى منها السودان هي نتيجة حتمية لأنماط برامج وخطط التنمية القومية والتي استمرت على نفس النمط المركزي في عهد الاستعمار.
--------------------------------------------------------------------------------

No comments:

Post a Comment