Thursday, 2 December 2010

العدد رقم 3685 بتاريخ 2003-08-24


وضع المناطق المهمشة وأثرها على مستقبل السودان السياسي (1-2)
جمعة كنده كومي قدم جمعة كنده كومي الأستاذ في جامعة جوبا ورقة في ندوة «السلام ومستقبل الوحدة الوطنية في السودان» التي عقدت في الخرطوم أخيراً حول «وضع المناطق المهمشة الثلاث وأثرها على مستقبل السودان السياسي».. «الصحافة» تنشر الورقة على حلقتين لأهمية معالجتها لقضية ساخنة لا تزال محل تفاوض ونقاش بين أطراف النزاع السوداني.
1- مقدمة:
تمثل قضية المناطق المهمشة الثلاث (جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وأبيي) تمثل عنصراً مهماً في مفاوضات السلام ومع ذلك ظلت ملفات هذه المناطق بعيداً عن طاولة المفاوضات المختلفة، بالرغم من استمرار موضوعاتها في التقاطع في المناقشات المختلفة بصورة جعلتها تشكل حجر عثرة رئيسية في تقدم المفاوضات إلى نهاياتها المرجوة. وكنتيجة لهذه الوضعية أصبح واضحاً لطرفي النزاع والوسطاء أهمية وحتمية مناقشة ملفات هذه المناطق الثلاث كما حدث في مفاوضات كارن في مارس 2003م. في ضوء هذه المقدمة تحاول هذه الورقة استعراض مفهوم التهميش والمناطق المهمشة بالسودان ومحاولة ايجاد القواسم المشتركة وأثر وضعية هذه المناطق على مستقبل السودان السياسي في ضوء ما يجري من مفاوضات في المسارين الرئيسي والهامشي.
2- مفهوم التهميش ومدلولاته السياسية:
مفهوم التهميش والأقاليم المهمشة ليس مفهوماً سودانياً كما يتبادر إلى أذهان الكثيرين من الساسة في السودان بل هو مفهوم علمي تطبيقي مرتبط بأطروحات ونظريات اجتماعية واقتصادية وسياسية أهمها نظرية المركز والهامش Gore Periphery ومن أهم روادها جون فريدمان وقونار ميردال وهيرشمان. وتتركز هذه النظرية أن الموارد الطبيعية في العالم موزعة توزيعاً غير منتظم. وأن الموارد المتاحة لأي مجتمع دائماً في أية مرحلة من مراحل تطورها هي موارد تتميز بالندرة مقارنة بالاحتياجات والطموحات. وكنتيجة حتمية لهذا الواقع فإن التنمية لا يمكن أن تبدأ في كل مساحة مأهولة بالسكان داخل الدولة بل لابد أن تبدأ التنمية في مناطق محددة أولاً ثم تنداح بناءً على إرادة سياسية محكمة وتخطيط اقتصادي واجتماعي واعٍ يراعي المواءمة بين تحقيق الكفاءة الاقتصادية لاستخدام الموارد وتحقيق المساواة والعدل بين أقاليم الدولة المختلفة وبين قطاعات المجتمع المختلفة. خلاصة هذا لأقول إنه بمجرد بدء التنمية في اقليم أو أقاليم ما بصورة تلقائية تبدأ ظاهرة المركز والهامش بحيث تشكل مناطق السبق التنموي مركزاً تنموياً فيما تشكل المناطق المجاورة للمركز مباشرة «هامش المركز» والمناطق المجاورة للهامش تشكل «هامش الهامش» مع الوضع في الاعتبار أنها ظاهرة ديناميكية غير جامدة تبعاً للتحولات الاقتصادية والسياسية المتداخلة. إن هذا المفهوم ليس مفهوماً ينحصر تطبيقاته على مستوى الدولة بل ينطبق أيضاً على المستوى العالمي إذ يمكن النظر للعالم كله كوحدة جغرافية سكانية بها مناطق تمثل مركز العالم سياسياً واقتصادياً ومناطق أخرى تمثل هامشاً. خلاصة القول إن المشكلة ليست في وجود المركز والهامش باعتبار أنها ظاهرة حتمية في أي مجتمع ولكن المشكلة في وجود أو عدم وجود إرادة سياسية للإعتراف بهذا الواقع والسعي الجاد لمواجهتها لسياسات وخطط واضحة المعالم من أجل التقليل من الآثار السلبية وتعضيد الايجابيات في العلاقات الديناميكية بين المركز والهامش. في الواقع لا يمكن لأية دولة أن تتقدم وتنمو وتستقل سياسياً واجتماعياً إلا من خلال قدرتها في التحكم في الفجوة بين المناطق الأكثر نمواً والمناطق الأقل نمواً وهذا لا يتأتى إلا من خلال تحويل العلاقة بين المركز والهامش إلى علاقة تبادلية منفعية للطرفين وليس علاقة استغلالية لصالح المركز والتي عادة ما تكون نتيجتها استمرار اتساع الفجوة بين المركز والهامش بدلاً عن تحقيق التنمية المتوازنة بين أقاليم الدولة الواحدة. لهذه الإعتبارات تعتبر عملية تخطيط وبرمجة وتنفيذ التنمية الاقليمية بمفهومها المتكامل احدى العوامل الحاسمة في تحقيق التنمية القومية المتوازنة اقليمياً والمستدامة بيئياً والعادلة اجتماعياً لأية دولة من دول العالم سواء أكانت نامية أو متقدمة. إن التنمية القومية بمفهومها الشامل هي مجمل المحصلة النهائية وجهود الدولة والمجتمع في استقلال امكاناتها ومواردها المتاحة على نطاق حدودها وحدود علاقاتها الدولية وهذا يعني بالضروة أن عملية إحداث التنمية القومية الشاملة والاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد لايمكن أن يتحقق دون أن تشهد كل الاقاليم المكونة للدولة طفرة متوازنة نسبياً في النمو والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والادارية. إن غياب مفهوم التنمية المتوازنة في خطط التنمية القومية يعني اتساع الفجوة بين الاقاليم الأكثر نمواً والأقاليم الأقل نمواً وكلما اتسعت الفجوة كلما تنامى شعور الاقاليم الاقل نمواً بالتهميش ومن هنا تبدأ التعبيرات والمطالبات السياسية الاقليمية والتي تتحول بمرور الزمن إلى تنظيمات سياسية تسعى بوسائل مختلفة لتحقيق أهدافها التي كثيراً ما تكون لها أبعاد سياسية عميقة على المستوى القومي.
3- نمط التخطيط التنموي القومي ودوره السلبي في علاقة المركز بالهامش في السودان:
بعد استقلال السودان 1956م ورثت الحكومات الوطنية نمطاً مركزياً في التخطيط والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والادارية والذي كان يتمركز في وسط السودان حيث كان يخدم هذا النمط المركزي أهداف المستعمر المتمثلة في الاستغلال الأمثل لموارد السودان وبأقل تكلفة لصالح نهضتها الصناعية في أوربا خاصة مصانع لانكشير للغزل والنسيج البريطانية والتي اعتمدت بصورة أساسية في نهضتها على أقطان مشروع الجزيرة. ورغم الظهور المبكر لبعض الأصوات التي نادت بمفهوم وشعارات التنمية الاقليمية المتوازنة ولا مركزية الحكم إلا انها اعتبرت أصواتاً اقليمية الأفق وعنصرية النزعة ولا تتمتع بالبعد القومي. وبهذا الفهم تجاهل قيادات السودان السياسية المتتالية حقيقة أن البناء الوطني يجب أن يبدأ من المحل فالإقليم فالوطن كله. فبتركيز مشروعات التنمية جغرافياً بوسط السودان في ما يعرف - بمثلث الخرطوم كوستي سنار- بدأت ظاهرة المركز والهامش مع اتساع الفجوة بصورة تدريجية في المجالات التالية:
أ/ التنمية الاقتصادية والزراعية والصناعية: فمثلاً في مجال التنمية والاستثمار الصناعي نجد انه حتى عام 1980م كان مثلث الرخاء يملك أكثر من «75%» من جملة المصانع في السودان.
ب/ تنمية البنيات التحتية والخدمية مثل الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والطرق والكباري والاتصالات. فمثلاً في مجال التعليم العام تشير بعض الدراسات إلى أن حوالي «750» طفلاً من كل «1000» طفل في عمر المدرسة يجدون فرصة التعليم في المركز بينما ينخفض المتوسط إلى «125» طالباً من «1000» طفل في الهامش. في مجال التعليم العالي نجد أنه حتى عام 1990م كان التعليم العالي مركزاً وبصورة واضحة في الخرطوم والجزيرة عدا جامعة جوبا.
ج/ تنمية المشاركة في قيادة العمل الاداري والسياسي حيث تشير دراسة اجريت في العام 1981م إلى أن «84%» من الدرجات العليا في الخدمة المدنية في السودان عامة يحتلها مواليد مثلث الرخاء (المركز) و«16%» فقط لبقية أقاليم السودان (الهامش).
لقد أحدث هذا التباين في التنمية بين المركز والهامش آثاراً سلبية على الهامش وأهم هذه الآثار تتمثل في خلخلة البنية الاجتماعية والاقتصادية في المناطق المهمشة نتيجة لعدة ظواهر أهمها:
أ- الهجرة المنتقاة من أبناء الهامش إلى المركز وصيرورتهم جزءاً من آليات تحكم المركز على الهامش.
ب- استغلال موارد الهامش الطبيعية الخامة وبأقل تكلفة لصالح المركز حيث يتم تصنيعها ورفع قيمتها وإعادتها بأسعار عالية كمستهلكات في الهامش.
ج- استغلال موارد الهامش البشرية غير المدربة وبأجور زهيدة في أعمال هامشية وخدمية تعتمد على الجهد البدني لصالح رفاهية مجتمع واقتصاد المركز.
لقد أدت هذه الظواهر إلى انهيار ركائز التنمية ليس في المناطق المهمشة فحسب بل في المركز أيضاً لاعتماده أساساً على قدرات الريف الطبيعية والبشرية في نهضتها وبالتالي انهارت التنمية القومية بأكمالها بصورة تدريجية مما أدى إلى الاضطراب السياسي والأزمات الاقتصادية والخلخلة في البنية الاجتماعية في السودان. خلاصة هذا القول هو إن عدم التوازن الاقليمي في التنمية وأبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتي يعانى منها السودان هي نتيجة حتمية لأنماط برامج وخطط التنمية القومية والتي استمرت على نفس النمط المركزي في عهد الاستعمار.
--------------------------------------------------------------------------------

العدد رقم 3678 بتاريخ 2003-08-17



ما وراء حاجز عدم الثقة والفتنة العرقية (الحلقة الأولى )

الأمّة السودانية . . تقوية النسيج . . أم نقض غزلها أنكاثا؟!
من بعد اندلاع تمرّد دار فور في فبراير من العام الجاري (2003)، ومن بعد التصعيد الدرامي الذي مثّله ضرب جماعة من المتمرّدين أهداف ومواقع قومية في الفاشر في أبريل وفي مليط إلى شمالي الفاشر في الشهر التالي، يكون القفز فوق سؤال مستقبل الأمّة السودانية، أو الغفلة عن طرحه ضربا من (تُخن الدماغ) ومن تبلّد الحساسية السياسية للنخبة الوطنية حاكمة ومعارضة و تلك التي بين هذه وتلك . .
ومثل ما جاءت مشاكوس صدمة قويّة لإخواننا في شمال الوادي بعد عقد ونيف من الغفلة أو، في أحسن الأحوال، من اللامبالاة حيال مصير السودان على ضوء نزاع العشرين عاما الأخيرة في جنوب البلاد، فإنّ تمرّد قطاع من مسلمي دار فور على الدولة المركزية في الخرطوم ليس بأي حال صدمة أقل وقعا من صدمة الوجدان المصري في مشاكوس وبمشاكوس.
أمّا وقع الصدمة على النخبة السودانية المتثائبة، كسلا ذهنيّا وسياسيا ولا مبالاة يصعب تبريرها، فيزيد من قسوته وقع حوافر خيول الانفصاليين الشماليين وهي تتراجع، مهزومة العزم والإرادة، عن سنار الأولى إلى إمارة عرب قواسمة لا هي إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء! بعض قادة العمل الإسلامي من الحرس القديم ممّن أورثهم رهق الحرب الطويلة ونزيفها الجامح كفرا بالمثال، يتداعون إلى أحضان براغماتية جديدة تنادي بفصل شمال السودان عن جنوبه إلى حدّ الدعوة إلى تحرير الأوّل عن قبضة الأخير، في إيماءة مخيفة إلى حالة الوهن النفسي وقلّة حيلة الشمالي (الإسلامي) بعد أن كان يمثّل، ضمن منظومة مسلمة أعرض، التيار الرئيس في تشكيل هويّة الأمّة السودانية. والدعوة الانفصاليّة هذه كفيلة بأن تحيل مشروع (فصل الشمال عن الجنوب) إلى مشروع متقن التصميم لتفكيك أوصال دولة شمال السودان المستقلّة (المأمولة) من الداخل، على نحو ما سنجيء على شرحه لاحقا.
وحيال تمرّد في دار فور التي هي في مركز النسيج الرئيس {Mainstream} للأمّة السودانية، وحيال التراجع الفكري والسياسي الذي تشهده فكرة الأمّة السودانية التي يجمعها كيان سياسي واحد، وهو تراجع يصدر، هذه المرّة، من بعض غلاة أنصار فكرة الأمّة الواحدة إلى وقت قريب مضى، فإنّ هذه السلسلة من المقالات تسعى لدق ناقوس الخطر بمسؤولية ووعي، و بلا ميل للمبالغة أو جنوح للتضخيم غير الموضوعي، لخطر بائن يهدّد بانهيار كيان الأمّة. هو خطر لا يقتصر على احتمال انهيار السلطة المركزية في الخرطوم فحسب، بل يُنذر، في حال وقوع انفصال الشمال عن الجنوب، باحتمال تفكّك ما سيبقى من السودان في دولة الشمال العربيّة المسلمة ورسم جغرافيتها السياسية على نحو مغاير، و بتفكيك ما سيبقى حتّى من دولة جنوب السودان الإفريقية كذلك!
خمسمائة عام من التكوين:
لم يكن عبور عرب العبدلاب من شمال الخرطوم الراهنة إلى وسط السودان حيث الزنوج من أُسر الفُونج شيئا غير موعد مع التاريخ قبل أن يكون هناك تاريخ معلوم لأمّة إسمها السودان. فمنذ قبل زهاء خمسمائة عام بدأ مخاض ما يمكن الاصطلاح على تسميته (الأمّة السودانية) من خلال نواة صغيرة للأمّة مثّلتها دولة السلطنة الزرقاء. حينئذ هرع نفر من أهل شمال الوسط (عرب القواسمة والعبدلاب) للتلاقي مع نفر من أهل جنوب الوسط المتمدّد حتّى فيافي كردفان الشمالية وهضبة تقلي من ذوي أنساب تشير بعض الروايات إلى كونها زنجية، ليتمخّض اللقاء عن وليد يحمل، إلى حدّ كبير، سمات الأمّة السودانية الراهنة.
وعلى شاكلة سلطنة الفونج، أُولى ممالك السودان الإسلامية، تكاثر النموذج في بقاع أخرى من وسط هذا السودان الشمالي حيث وُلدت الحالة ذاتها في كردفان لدى قبائل المسبّعات إلى الشمال قليلا، وعند قبائل تقلي. وتمدّد نموذج المُلك المسلم الهويّة غربا إلى دار فور حيث نشأت إحدى أكبر ممالك الحكم المسلم في البلاد والتي تمدّد أثرها بعلاقاتها الممتدّة إلى ما وراء الجغرافيا السياسية للسودان الراهن إلى مصر والحجاز (السعودية) و أسطنبول.
وتواصل التمدّد المسلم، ثقافة وحُكما، إلى تخوم جنوب السودان الشمالية في شمال بحر الغزال وهو الأثر الذي عبر على يدي أسلاف الزبير باشا إلى داخل دول جوار السودان في غرب إفريقيا. وقبيل وعند اندلاع الحالة المسلمة المهدوية توغّل الأثر الثقافي المسلم في جنوب السودان ليبلغ شمال يوغندا على يدي أمين باشا. وجاء من بعد النموذج المهدوي الذي استجمع الرقاع المسلمة من البحر الأحمر في الشرق إلى مشارف دار فور وشمال بلاد الدينكا المجاورة لقبائل بقّارة كردفان ودار فور.
اكتمل، عبر الوقت، التحاق الأطراف بالوسط الذي صنعته السلطنة الزرقاء لتكتمل صورة قاعدة الأمّة إذ التحقت بها سياسيا، في مطالع القرن العشرين، دار فور التي كانت تنتمي سلفا من الناحية الثقافية للنسيج ذاته، فيما التحق بها سياسيا من بعد جنوب السودان بكل تنوّعه وثرائه الثقافي المتدامج حينا مع النسيج الثقافي السائد في سودان الشمال والمتباين معه حينا آخر.
وأن تبني أمّة فليس ذلك نزهة يقضيها بعض الساسة وقادة النخب في معاقرة اللغو السياسي وفي الثرثرة الافتراضيّة (الأرأيتيّة). بناء أمّة، أيّة أمّة، حصيلة، عبر تاريخ طويل، من التفاعل الثقافي والاجتماعي والسياسي. والأمّة مثل الدولة ضرورة اجتماعية لتنظيم مجتمعات الآدميين ولإكساب حياة هؤلاء الآدميين معنى، ولتطوير مشروعات البناء والنهوض الإنساني، و لمنحها أمان الغذاء والنفس، ولإشباع رغبات الشعوب في النجاح والإنجاز والتميّز. ومهما قيل عن هشاشة بناء الأمّة السودانية إلا أنّ السودان في قرونه الخمسة الماضيات أرسى قاعدة راكزة لبناء أمّة تلملم أطرافه وتصنع طينته الهجين والتي هي مع تنوّعها تتشكّل، مثل سائر الأمم، حول تيار غالب تتكامل فيه عناصر التكوين الثقافي والإثني الإفريقي العربي والثقافي المسلم. وهذا التيار الغالب بالضرورة تيار وحدوي كذلك، إذ يرى في وجود الأمّة السودانية وفي وحدة كيانها الجغراسياسي متلازمتين لا تنفصلان.
وهذا هو التكوين ذاته الذي يوفّر الإجابة على سؤال الهويّة، إذ الهوية ليست قرارا سياسيا يُفتي فيه البرلمان أو يقضي فيه مجلس بلدي. الهويّة هي عملية تكوين دؤوبة تأخذ مداها في التاريخ وتتفاعل في تشكيلها حزمة مؤثّرات تصنع آخر الأمر الملامح الغالبة لأمّة ما. وهكذا فالهوية تفرض نفسها على ذويها مثل الميلاد والإسم بالنسبة للإنسان، يملكهما معا غير أنّه لا يملك حقّ تحديدهما بداية.
ويستسهل بعض التبسيطيين، وغير قليل من الأخيار من ذوي النيّات الحسنة، النظر في معنى الأمّة ودلالاتها. ولا يعمل هؤلاء النظر في فكرة الأمّة كحالة جدوى بمعايير كسب المعاش و الأمن وبناء قواعد القوّة (القوّة مقصودا بها بناء القدرات المتعدّدة لا مجرّد القوّة العسكرية كما يرد إلى الخاطر تلقائيا) التي لا تعود بالنفع على الأمّة المقصودة فحسب بل على المجتمع الإنساني كافة. فالصين التي تحتضن مليارا وربع المليار من الأدميين الصينيين دون أن يسبّب ذلك لجسدها أعراضا مرضيّة من ضروب الإسهالات والالتهابات أو العدوى الفيروسية، دع عنك الأمراض العُضال، الصين هذه ذاتها ظلّت تلح في عودة مقاطعة هونج كونج إليها مهما كان الثمن ولقد تحقّق لها ذلك وهي الدولة التي تمارس معيارا قاسيا في تنظيم معدّلات نموّها السكاني بحيث لا تنفجر سكانيّا. وهي الدولة ذاتها التي لا زالت تنازع تايوان في كون الأخيرة كيانا مستقلا عن الصين الأم. بل الهند التي تناهز بمواطنيها نحوا من المليار نسمة لم تدفع هذه الحمولة من البشر بقادتها إلى البحث عن خيارات لتفكيك الأمّة بحيث يخلد قادتها إلى الراحة من نوائب الكثرة والتنوّع، ما يجعلها تنازع حتّى يومنا هذا على لسان أرض قصير اسمه كشمير لا لسبب غير كونها، فيما ترى، بعضا من جسد أمتها و قطعة من كيانها الوطني.
غير أنّ الوضع في السودان يُشير إلى اتّجاه معاكس تماما لما رأينا في حالتي العملاقين . . الهند والصين. هُنا،وبعد خمسمائة عام من تاريخ متّصل هاهي بوادر رهق وإعياء تضرب بعض الأمّة في كبدها . . نخبتها من المتعلّمين الحاكمين المتحكّمين في مصير الأمّة. وبعد هذه المسيرة الطويلة نسبيا في سبيل الوصول إلى تأسيس الأمّة إذ بنا نواجه اليوم، وبإلحاح شديد، بمهدّد رئيس وبتحديين اثنين. أمّا التهديد فهو لفكرة الأمّة وقاعدتها التي بدأ بناء قواعدها منذ نحو خمسة قرون. وأمّا التحديان فهُما صون نسيج الأمّة من التمزّق، واجتراح مشروع نهضوي يأخذ بالأمة إلى مشارف الحياة الإنسانية الشريفة الكريمة والإسهام بقدر في بناء المستقبل الإنساني.


------------------------------------------------------------------------------------------


ما وراء حاجز عدم الثقة والفتنة العرقيّة (الحلقة الثانية)
الأزمة في دار فور . . لملمة أطراف الجسد المتداعي!
د. محمد محجوب هارون
e-mail: aci333@hotmail.com
استسمح القارئ عذرا أن أقفز فوق ترتيب مسبق لهذه السلسلة من الحلقات حول (مأزق الأمّة السودانية)، بتقديم هذه الحلقة عن الأزمة في دار فور على سابقتها في الترتيب، ريثما نعود الأسبوع المقبل إلى النسق المقرّر سلفا. وهذا التعديل الإجرائي لم تستدعه فقط ملاحظات أوردها، تعقيبا على ما نشرناه في هذه الصحيفة حول مستجدّات النزاع في دار فور، الأخ الأستاذ يوسف عبد المنّان في زاويته اليوميّة في الزميلة ألوان، بل أن تصاعد أعراض تصدّع جدران الأمّة كما يبدو المشهد من جهة دار فور والتعقيد المستمر للأزمة هُناك يستحثّا، قبلا، هذا التقديم.
أذكر أنّني كتبت في ألوان الفاضلة مقالة في ديسمبر من العام 1987 بعنوان(ألسنة اللهيب تحرق أطراف دار فور)، وكان ذلك على خلفيّة تصاعد نزاعات قبلية بين مجموعات من الرحّل ومجموعات من القبائل الزراعية المستقرّة. وكان قد استفز وقوع تلك النزاعات ظروف جفاف ضربت ضمن، مناطق أخرى، غربي السودان وحزاما أوسع من وسط إفريقيا، الأمر الذي دفع ببعض القبائل الظاعنة إلى الهجرة عبر الحدود الغربية للسودان ما أفضى إلى وقوع احتكاكات بينها وبين بعض القبائل المستقرّة. وبدا حينها، وهذا ممّا يحتاج إلى مزيد من الاستيثاق، أنّ حكومة حزب الأمّة كانت تساند بطرف خفي طرفا ضد طرف، ولو جاء ذلك عبر كوادر وسيطة أو ولائية من بين قيادات الحزب.
وفي ظل ما بدا لي من خطر محدق بالأمن القومي السوداني إثر تصاعد أوار النزاع ذاك، استأذنت رئيس المكتب السياسي للجبهة الإسلامية القوميّة، الدكتور علي الحاج محمّد، في ذلك الحين، حضوري اجتماعا للمكتب السياسي للجبهة لأطرح رؤية تبنيتها، حينئذ، حول النزاع في دار فور، ومن ثم، كيفية تعاطي الجبهة الإسلامية معه من موقعها حزبا رئيسا في الساحة السياسية من جهة، وبصفتها حزب المعارضة الرئيس في ذلك الوقت. وطرحت في ذلك الاجتماع الذي شارك فيه بالحضور أغلب عضوية المكتب السياسي من قيادات الجبهة رؤيتي مشدّدا فيها على أنّ تحت ذاك الرماد وميض نار من شأن اشتعالها تعريض الأمن القومي للبلاد لمأزق عظيم، ودعوت من بعد إلى أن تضع الجبهة، وهي في المعارضة، يديها على يدي حكومة السيّد صادق المهدي لتفكيك تلك الأزمة تجنيبا للبلاد مآلات يتضرّر منها الوطن كلّه. ولقد استحسن بعض الحاضرين تلك الرؤية واستتفهها بعض آخر، غير أنّ تعاونا ما لم يحدث، على حدّ علمي، وهاهي النار تسري في الجسد كورم سرطاني!
و منذئذ، ظل العنف مسيطرا، مدّا وجزرا، على دار فور إلى أن بلغ حدّ إعلان تمرّد مسلح أوّل شجّعه ووفّر عدّته متمرّدو الحركة الشعبية في مطلع التسعينيات بقيادة الباشمهندس داؤود بولاد، وهو تمرّد تمّ حسمه في حينه عسكريّا، ومن ثم إعلان تمرّد ثان بنهاية العام 2002، وهو التمرّد الذي ما يزال يتفاعل على رقعة جغرافية أوسع، وبأصداء سياسية وعسكرية أشدّ دويّا.
والحال هذه فالذي أمامنا ليس سؤالا مادتُه أحمد و محمّد أحمد. سبب الأرق ومادّة الانشغال هو سهو القوم . . قادة القوم . . عن رؤية التصدّع الكبير الذي يضرب الطبقات الخرصانية من البناء القومي وهيكل الأمّة. فدار فور. . ظاعنوها ومزارعوها . . سُمُرها و زُنُوجها . . تمثّل غزلا متينا في نسيج الأمّة من جهتين هما الإسلام والوحدوية. فالأمّة السودانية كما أشرنا في الحلقة الأولى من هذه المقالات تشكّلت في حالها الراهن عبر نسيجين هما الإسلام والوحدوية، إذ نشأت وتطوّرت في الخمسمائة عام الأخيرة دويلات وممالك إسلامية على خلفية حضارات أخرى مندثرة، و ما لبثت الدويلات والممالك الإسلامية، إلى جانب قوى وطنية (وحدوية) غير مسلمة في جنوب البلاد، أن شكّلت السودان بهيئته الراهنة.
ولو أنّ منحنى من التراجع عن مشروع الوطن (سنأتي على تفصيله في الحلقة القادمة) آخذ في التحرّك على عكس أشواق دعاة السودانية من لدن المشروع المهدوي مرورا بحركة التحرّر الوطني من حملة مشاعل (في الفؤاد ترعاه العناية بين ضلوعي الوطن العزيز)، فإنّ الفشل الأبلج للمشروع الوطني السوداني بدأ يستحث، في حالة شمال السودان، أسباب العودة القهقرى إلى مرابع القبيلة والعرق و إلى الإنكفاء ناحية الهُويّات الطبيعية غير المركّبة منذ مطالع الثمانينيات. هذا غير أنّ نزوعا في جنوب السودان لاشتقاق هويّة خاصّة قد بدأ في حين أبكر.
وحين انكشف فشل المشروع الوطني السوداني في استجماع الأمّة على بساط واحد، مركزها وهوامشه، أخذت بعض الهوامش المأزومة تبحث عن خلاص متوهّم في الإنكفاء والبحث عن ذات أخرى في حركة معاكسة لوقائع التجربة الإنسانية المعاصرة المتقدّمة باتّجاه بناء كيانات أوسع تتجاوز الكيان القطري إلى تجميع الكيانات القطرية بعضها إلى بعض في وحدات سياسية أكبر، ويقف على ذلك شاهدا قفز أوربّا المتباينة إثنيا ولغويّا واقتصاديا على كياناتها القطرية إلى حالة الكيان الأوربّي الموحّد، هذا غير نماذج التقارب الوظيفي عسكريا مثل الناتو واقتصاديا مثل الأبيك والنافتا واقتصاديّا وثقافيا وأمنيّا مثل مجلس التعاون الخليجي... .
والراجح في تفسير التراجع عن مشروع الوطن هو أنّ السياسة والسياسات أسهما، ويٌسهمان، معا في إحداث وفي تسويغ وتسويق جدوى هذا التراجع. السياسات أخذت توسّع يوما بعد الآخر فجوة عدم التوازن في الإنماء وإمداد الخدمات وتوزيع مقدرات البلاد على نحو أقرب إلى العدل، حتّى أضحى المركز من الجاذبية ما جعله يمارس إفراغا متّصلا للريف وهوامش المركز ممّن تتوفّر لديهم إمكانية الهجرة وخبرتها، أمّا عديمو الحيلة فمصيرهم أن يبقوا صرعى للبؤس واليأس والانخراط في مشاريع الخلاص الانكفائية!
أمّا السياسة فقد ارتدّت إلى ما دون التماهي الوطني الذي ساد في حقبة التحرّر الوطني إلى سفوح الطائفية والقلبية. فأحزاب الحركة السياسية الكبرى أوغلت في رسم خطوط كنتور عضويتها على تقاطيع القبيلة والإقليم الجغرافي. وبالرغم من تطوّر الأحزاب الكبرى تلك إلى وحدات سياسية وتنظيمية جمعت بين القبائل في إطار الطائفة الواحدة، وتجاوزت الطائفة بضم محازبين من خارج الطائفة، إلا أنّ فشل السياسات التي خطّتها وأشرفت على تنفيذها النخبة السياسية الحزبية والعسكرية فتحت الأبواب واسعة إلى أوبة من جديد إلى الهويّات القبلية والعرقية.
وُيعزى فشل السياسات في دار فور، ضمن أطراف أخرى تشابه الحالة الدار فورية، إلى إخفاقها في تحقيق معدّلات من التنمية البشرية تتناسب وحجم التنمية البشرية التي حُظي بها المركز النيلي على وجه التحديد، مع ضعف معدّلات التنمية البشرية في البلاد بوجه عام قياسا إلى دول مشابهة في العالم العربي وإفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. ومن حيث أنّ التنمية البشرية هي مربط الفرس فإن التباين في تحقيقها على النحو المتكافئ الذي أشرنا إليه فتح المجال إلى تعريف المظالم ليس على أساس المركز وهوامشه، بل على قاعدة القبيلة ضد الأخرى، بكل أسف. و عمقّت هذه الروح القبلية ليس على أساس قبائل الأطراف ضد المركز، وإنّما عمّقتها حتّى داخل الأطراف نفسها، وهذا أسف آخر!
ولقد دفعت السياسة والسياسات في عهد الإنقاذ الراهن إلى تعزيز التماهي القبلي والإثني، على نحو مباشر وغير مباشر. فإفراغ الفضاء العام من الكيانات الحزبية ردّ قطاعات عريضة من المواطنين إلى البحث عن انتماء سياسي في القبيلة بوصفها الكيان السياسي المتاح والذي يحظى بشرعية سياسية ما. وسياسات الإنقاذ التي رمت إلى وراثة القوى التقليدية من خلال التنظيم الجامع {المؤتمر الوطني} أعادت القبلية السياسية من حالة وفاة إكلينيكية إلى صحو من جديد. ولقد أحيت الإنقاذ القبلية السياسية من خلال سياسات بناء النظام الأهلي التي كانت ترمي إلى سحب البساط من الحزبين الكبيرين غير أنّها ارتدّت إحياء للقبلية السياسية، وعمّق من القبلية إلى حدّ كبير رسم جغرافية الحكم الاتّحادي وسياسته على خطوط قبلية بيّنة على امتداد السودان بما في ذلك السياسة في المركز الاتّحادي!
و عودا إلى دار فور، فإنّ الحاجة الأشد إلحاحا هي أن نرى الغابة من الأشجار كما يقول المثل الإنجليزي.
أمران لا ينفعان السودان، مركزه على وجه التحديد. المغالاة في رفض أنّ واقعا من الاختلال في توزيع مقدرات البلاد هو سمة بارزة، هذا أوّلا، وقبل كلّ شيء. يُنكر كثيرون الاعتراف بهذا الخلل من حيث تصوّرهم أنّ الاعتراف به يعني تحميلهم، هُم، مسؤوليته. ولكن ليس هناك رباط شرطي بين الاعتراف بواقعة الاختلال في توزيع مقدرات البلاد وبين تحمّل مسؤوليّة إحداث الاختلال من الناحية الثانية. فالسياسات والسياسة اللتان أفضتا إلى هذا الواقع ممتدّة من بدايات الحكم الوطني، هذا غير سهم الإستعمار في إحداثه. الطريق الأسلك إلى الحكمة، ضالتنا جميعا، هو الاعتراف الشجاع المسؤول بالخلل ومن ثم تحمّل مسؤولية إصلاحه.
والأمر الثاني الذي لن يجرّ السودان إلا إلى تصدّع بنيانه وارتداد تكويناته الأولى إلى مرابع العزلة والإنكفاء، ما يعني تفكيكه طوبة طوبة، هو الركون إلى العنف والعنف المضاد والذي لن تحبسه حدود جغرافية وهميّة كما رأينا في حالة جنوب السودان. و لو أنّ السودان كلّه سيحترق فإنّ الإصرار على العنف من قبل أبناء دار فور سيحيل دار فور أكواما من الرماد قبل أن تمتدّ ألسنة اللهيب خارج المحيط الجغرافي لدار فور، وللجميع في ما آل إليه جنوب البلاد اعتبار.
ومع سيادة العنف والعنف المضاد ستتعقّد القضية لا بدخول أجندة تستغل القتال لصالح ملفات لا صلة لها بمسألة الخلل التي ذكرنا، بل أنّها ستفتح الباب، وفقا لاعتبارات تكتيكية، لاستغلال بعض أبناء السودان الواحد ضد بعضهم، ما يعمل على تأجيج الصراع حتّى بين أبناء دار فور أنفسهم، بحيث يحسب بعضنا أنّ ثمة قضية في أن نناصر هذا الطرف من أبناء دار فور ضد ذاك!
وإلى هُنا فالغابة نرى أم الأشجار واحدة هنا وأخرى هناك؟
الحكمة هي أن نرى الغابة كلّها ما يعيننا على لملمة أطراف جسد يتداعى. أن نترك لهيب دار فور يستعر فلن يكون ثمن ذلك أن يتهرّى نسيج تعايش اجتماعي بين تكوينات مجتمع دار فور المحلي، من أهل الظعينة ومن أهل القرى . . هؤلاء سيُهلك بعضهم بعضا . . نعم . . ولكن الغابة كلّها ستختفي تحت سطوة القطع الجائر. خير من أن ننقض غزل الأمّة أنكاثا أن نلملم أطراف هذا الجسد المتداعي . . جسد الأمّة السودانية الواحدة . . و إلا فلات ساعة مندم!

الإطار الدستوري لمرحلة الإنتقال ومستقبل السودان «1-4»

الإطار الدستوري لمرحلة الإنتقال ومستقبل السودان «1-4»

العدد رقم 3674 بتاريخ 2003-08-13


بقلم: أبيل الير


أعد السيد ابيل الير نائب رئيس الجمهورية الاسبق في عهد الرئيس جعفر محمد نميري، والقائد الجنوبي البارز والمحامي المعروف، ورقة للمؤتمر العالمي حول «افاق حسم النزاع السوداني» الذي عقد في مايو الماضي ، طرح فيها مقترحات تفصيلية لمعالجة الازمة السودانية ووضع حد للحرب الاهلية.



«الصحافة» تنشر الورقة على حلقات لاهميتها بعد ترجمتها نسبة لاعدادها بالانجليزية «ترجمة الزميل سيف الدين عبد الحميد».



نال السودان استقلاله في اول يناير عام 1956م، اي قبل 47 عاماً وقد شهدت البلاد تمرداً اندلع في اغسطس 1955م في الجنوب قبل اربعة اشهر وثلاثة عشر يوماً من نيله الاستقلال السياسي.



دخلت البلاد خلال الاعوام السبعة والاربعين من عمرها الاستقلالي في حربين اهليتين ووضعت ستة دساتير وحوالي اثني عشر مرسوماً وامراً دستورياً. وحقيقة عمقت التجربة الاستقلالية في الحكم من الجراح وعدم الانسجام والثقة المتبادلة، واضعة الدولة القومية السودانية بين مجموعة الدول غير المستقرة.



وتسعى البلاد اليوم لترتيبات دستورية تقوم على السلام، العدالة، المشاركة، المساواة، الحرية والاحترام المتبادل، وهي تتعاطى مع التركيبة والابعاد الثقافية والدينية والعرقية واللغوية. والبحث عن التآلف المتبادل ينعكس داخل هذا الاطار الدستوري، فمعظم ما يحويه هذا الاطار ذو صلة بالاتفاقيات المؤقتة التي تم التوصل اليها بين حكومة السودان والحركة الشعبية.



هناك اجزاء مفتاحية جديرة بالذكر والتفصيل:



اولاً : هناك قائمة طويلة عن الحريات وحقوق الانسان تشتمل على عشر معاهدات وبروتوكولات دولية تبنتها الحكومة والحركة. هناك مشروع قانون للحقوق والحريات المتعلقة بالاديان والمعتقدات والممارسات العقائدية الاخري.



ثانياً: هناك مواد حول توزيع الصلاحيات بين المستويات المختلفة للحكومة - الحكومة القومية، حكومة جنوب السودان والولايات في الجنوب والشمال، مصحوبة بمقترح لانشاء اقليمين يحكمان ذاتياً بصلاحيات مماثلة.



ثالثاً: هناك مواد حول تقسيم الثروة تأسيساً على المساواة مع وجود مؤسسات مسؤولة عن ادارة الموارد وتخصيصها اضافة للفنيات المنوط بها مراقبة ادارة الثروة العامة كما ينبغي.



رابعاً: الوضع المستقبلي للجيشين ـ الجيش السوداني والجيش الشعبي خلال الفترة المؤقتة وما بعدها. ان المقترحات حول الجيش تأخذ في الاعتبار الاوضاع المختلفة له : مثل السلوك التنظيمي السابق للامركزية الأوامر، التجنيد المحلي في المنطقة التي تتم فيها الأوامر والتوجيهات، التجربة المرة للحربين الاهليتين .ان الاساس المقترح لاعادة تنظيم الجيش لن يكون امراً استثنائياً للسودان.



1- مبادئ عامة



1- إن وحدة الدولة السودانية تقوم على الارادة الحرة لمواطنيها.



2- إن الحكومة على كل مستوياتها القومية، الولائية، المحلية، وجنوب السودان مطالبة بان تكون ديمقراطية، ذات شفافية، خاضعة للمحاسبة وعادلة ومستهدية بحكم القانون.



3- تستمد الحكومة السلطة من شعبها الذي يمارس تلك السلطة من خلال انتخابات حرة، نزيهة، مباشرة ومنضبطة ، يتم اجراؤها عن طريق الاقتراع السري الذي يكفل صوتاً لكل شخص مؤهل وراشد. وتجري الانتخابات دورياً وبانتظام عن طريق لجنة انتخاب مستقلة مسترشدة بالقانون الانتخابي المؤسس على مبدأ الحقوق والحريات.



4- القومية السودانية تمثلها دولة ذات تعدد ثقافي وعنصري وعرقي وديني ولغوي، ولا يحق لاي شخص توظيف هذا التنوع اداة لانقسام الشعب. اذ العكس هو الاصح باعتبار ان الاديان والمعتقدات والعادات والاعراف تعتبر مصدراً للقوة والنفوذ الاخلاقي الايجابي.



5- ان شعب الدولة القومية السودانية متفق على العمل سوياً لتحقيق الآتي:



أ- انشاء نظام ديمقراطي متعدد للحكم بحيث يصبح فيه التنوع الثقافي واللغوي والديني والعرقي امراً معترفاً به ومقبولاً وحائزاً على النظرة الايجابية.



ب- إيجاد حل شامل يتعاطي مع المشاكل الاقتصادية والاجتماعية ويستبدل الحرب بالسلام والعدالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ويعزز من الحريات العامة وحقوق الانسان.



ج- تخطيط ووضع برامج لاعادة التوطين والتأهيل والاغاثة، والمساعدة على استقرار العائدين الى ديارهم من الملاجئ والمشردين في الداخل بسبب الحرب. هذا اضافة لوضع خطة لاعادة البناء والتنمية في تلك المناطق التي تأثرت بالحرب وارهقتها الاختلالات الاجتماعية في السابق.



6- لشعب جنوب السودان الحق في ادارة شئونه الخاصة والمشاركة المتساوية في الحكومة القومية.



7- لشعب جنوب السودان الحق في تقرير المصير وفي تقرير وضعه المستقبلي.



8- يقوم النظام الحكومي في الدولة القومية السودانية في كل مستوياتها على الآتي:



أ- توزيع السلطة ولا مركزية ايصال الخدمات.



ب- فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائىة.



ج- حماية الحريات وحقوق الانسان.



د- حماية البيئة الطبيعية .



هـ- حرية تكوين التنظيمات السياسية.



و- احترام الالتزامات الواردة في المواثيق الدولية والعرف واعراف القانون الدولي.



9- يتفق شعب الدولة القومية السودانية على انفاذ اتفاقية السلام بطرق تجعل من وحدة السودان امراً جاذباً للجنوبيين.



الدين والدولة



2ـ حرية الدين والاعتقاد



1- إن اعلان السودان بلداً متعدد الثقافات والاديان والاعراف له مؤشراته على حرية الدين والمعتقد.



2- تكون هناك حرية معتقد وتعبد وضمير لكل اتباع الاديان والمعتقدات او العادات، ولايكون هناك تمييز قائم على اي من انواع هذه التنوعات.



3- تكون المواطنة اساساً للاهلية في شغل المنصب العام.



4- تحكم كل الشؤون الاسرية والشخصية، بما فيها الزواج والطلاق والوراثة والاستخلاف والتبعية بواسطة قوانين الاحوال الشخصية او سلوك المعنيين بذلك.



5- يجب مراعاة الحقوق الآتية:



أ- التعبد والتجمع بحكم وحسب السلوك الديني او المعتقد، وتأسيس الاماكن الخاصة بذلك مع المحافظة عليها.



ب- تأسيس وادارة المعاهد الانسانية والخيرية.



ج- حيازة واستغلال الادوات والمواد المرتبطة بشعائر وطقوس الدين والمعتقد، وذاك لاقصى حد ممكن.



د- كتابة واصدار وترويج المنشورات المرتبطة بهذه المعتقدات.



هـ- تدريس الدين والمعتقد في الاماكن المناسبة لهذه الاغراض.



و- استقطاب وتلقي المساهمات المالية الطوعية من الافراد والمؤسسات.



ز- تدريب وتعيين وانتخاب بل وتفويض القادة الاكفاء الذين يتطلب وجودهم حسب المعايير الدينية، وذلك عن طريق الاستخلاف.



ح- الالتزام بايام العطلات والمناسبات والاستجمام حسب معتقدات الفرد الدينية.



ط- خلق اتصالات مع الافراد والمجتمعات في امور الدين والمعتقد وعلى المستويين القومي والعالمي والمحافظة على هذا التقليد.



ي- لايكون الفرد عرضة للتمييز العنصري من قبل الحكومة القومية او الدولة او المؤسسات او مجموعات الافراد او الفرد على اساس الدين والمعتقدات الاخرى.



3- حقوق الانسان والحريات الاساسية:



يقوم هذا الاطار الدستوري مشروع قانون للحقوق الاساسية والحريات الاساسية، ويشمل كذلك قائمة طويلة من المواثيق الدولية لحقوق الانسان حول الحقوق السياسية والمدنية: الميثاق الدولي حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، الميثاق الدولي حول الغاء كل اشكال التمييز العنصري، وحول حقوق الطفل، ميثاق الرق لعام 1926م، الميثاق الدولي حول كبح جريمة الفصل العنصري، الميثاق الدولي ضد التمييز العنصري في الرياضة، الميثاق المتعلق بالدولة واللاجئىن والبروتوكول المرتبط به والميثاق الافريقي حول حقوق الانسان والشعوب.



إن الحكومة السودانية بذلت كل المحاولات للموافقة على معاهدات حقوق الانسان الاخرى التي دفعتها الدول الاعضاء بالامم المتحدة.



فالمواد المتعلقة بالحريات والحقوق الاساسية في هذا الاطار الدستوري ستنعكس في القوانين المحلية على كل مستويات الحكم، متضمنة الآتي:



1- حق الانسان في الحياة وحماية القوانين.



2- حقوق الانسان في الحرية والامن الشخصي.



3- الحرية ضد التعذيب والعقوبات اللاإنسانية المذلة.



4- حق المقاضاة لدى محكمة محايدة منشأة قانونياً.



5- حق الخصوصية الشخصية، ما هو خاص باسرة الفرد.



6- حق الحرية في التفكير والضمير والدين والمعتقد.



7- حق حرية التعبير.



8- حق الاجتماع السلمي، حق التنظيم مع الآخرين، بما في ذلك حق التشكيل والانضمام للنقابة التجارية او التنظيم السياسي والاجتماعي لحماية مهام المجموعة او الفرد والتأكيد عليها.



9- حق الاسرة بحسبانها جزء اصيل من المجتمع في ان يحميها المجتمع الدولي وهذا يتضمن حق الرجال والنساء من هم في مرحلة الزواج في ان يتزاوجوا ويكونوا اسرة وفقاً لقوانين وعادات وسلوك الاسرة المعنية.



10- لكل مواطن الحق والفرصة في التصويت وترشيح نفسه لتبوأ منصب عام في الانتخابات التي يقرها هذا الاطار الدستوري.



11- مساواة الناس جميعاً امام القانون وحماية القانون لهم جميعاً.



12- حق كل طفل في ايجاد الحماية والدعم في الاشياء الاساسية للحياة كالرعاية الصحية والغذاء والتعليم والمأوى بلا تمييز على اساس العنصر، الدين، اللغة، الجنس او الموقع الجغرافي.



13- لكل الاشخاص الحق في التمتع بالحقوق السياسية المحددة في الميثاق الدولي حول الحقوق السياسية والمدنية وكل الحقوق الثقافية والاقتصادية والاجتماعية المدرجة في الميثاق الدولي.



إن حقوق الانسان والحريات الاساسية المبينة في الميثاق الدولي حول الحقوق المدنية يجب ان تجد مكانها في الدستور القومي المؤقت والدستور المؤقت لجنوب السودان المتضمن في هذا الاطار الدستوري.



هذه الحقوق والحريات او اي اجزاء منها لايجب تعديلها او تعليقها بموجب الدستور القومي او دستور جنوب السودان فيما عدا ما هو منصوص عليه في هذا الاطار الدستوري المؤقت.



إن لجنة حقوق الانسان المنصوص عليها في هذا الاطار الدستوري ملزمة بمراقبة الالتزام بهذه الحقوق والحريات من قبل الحكومة القومية وحكومة جنوب السودان وحكومات الولايات والاقاليم، بما فيها المنشآت المؤسسية للحكومة المحلية.



4- الحقوق السياسية والاحزاب السياسية



1- كل المواطنين السودانيين البالغين سن الثامنة عشرة فمافوق يكون لهم دور سياسي في الشأن القومي ما عدا اولئك الذين يعانون من امراض عقلية، حيث تكون لهم جميعا حقوق والتزامات سياسية.



2- تكون للمواطنين حرية تنظيم انفسهم في احزاب سياسية.



3- على الادارة الداخلية والتنظيم الداخلي لكل الاحزاب السياسية مراعاة المبادئ الديمقراطية مشتملة على قيام المؤتمرات الحزبية المنتظمة وانتخاب قادة الحزب، وتكون مسؤولة من ممتلكاتها واستقلال ماليتها.



4- الاحزاب السياسية التي تسعى لاضعاف النظام العام والدستوري للدولة تصبح غير دستورية.



5- تعلن الحكومة القومية قانونا لتنظيم الاحزاب السياسية وادائها بموجب مواد الاطار الدستوري.