ما وراء حاجز عدم الثقة والفتنة العرقية (الحلقة الأولى )
الأمّة السودانية . . تقوية النسيج . . أم نقض غزلها أنكاثا؟!
من بعد اندلاع تمرّد دار فور في فبراير من العام الجاري (2003)، ومن بعد التصعيد الدرامي الذي مثّله ضرب جماعة من المتمرّدين أهداف ومواقع قومية في الفاشر في أبريل وفي مليط إلى شمالي الفاشر في الشهر التالي، يكون القفز فوق سؤال مستقبل الأمّة السودانية، أو الغفلة عن طرحه ضربا من (تُخن الدماغ) ومن تبلّد الحساسية السياسية للنخبة الوطنية حاكمة ومعارضة و تلك التي بين هذه وتلك . .
ومثل ما جاءت مشاكوس صدمة قويّة لإخواننا في شمال الوادي بعد عقد ونيف من الغفلة أو، في أحسن الأحوال، من اللامبالاة حيال مصير السودان على ضوء نزاع العشرين عاما الأخيرة في جنوب البلاد، فإنّ تمرّد قطاع من مسلمي دار فور على الدولة المركزية في الخرطوم ليس بأي حال صدمة أقل وقعا من صدمة الوجدان المصري في مشاكوس وبمشاكوس.
أمّا وقع الصدمة على النخبة السودانية المتثائبة، كسلا ذهنيّا وسياسيا ولا مبالاة يصعب تبريرها، فيزيد من قسوته وقع حوافر خيول الانفصاليين الشماليين وهي تتراجع، مهزومة العزم والإرادة، عن سنار الأولى إلى إمارة عرب قواسمة لا هي إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء! بعض قادة العمل الإسلامي من الحرس القديم ممّن أورثهم رهق الحرب الطويلة ونزيفها الجامح كفرا بالمثال، يتداعون إلى أحضان براغماتية جديدة تنادي بفصل شمال السودان عن جنوبه إلى حدّ الدعوة إلى تحرير الأوّل عن قبضة الأخير، في إيماءة مخيفة إلى حالة الوهن النفسي وقلّة حيلة الشمالي (الإسلامي) بعد أن كان يمثّل، ضمن منظومة مسلمة أعرض، التيار الرئيس في تشكيل هويّة الأمّة السودانية. والدعوة الانفصاليّة هذه كفيلة بأن تحيل مشروع (فصل الشمال عن الجنوب) إلى مشروع متقن التصميم لتفكيك أوصال دولة شمال السودان المستقلّة (المأمولة) من الداخل، على نحو ما سنجيء على شرحه لاحقا.
وحيال تمرّد في دار فور التي هي في مركز النسيج الرئيس {Mainstream} للأمّة السودانية، وحيال التراجع الفكري والسياسي الذي تشهده فكرة الأمّة السودانية التي يجمعها كيان سياسي واحد، وهو تراجع يصدر، هذه المرّة، من بعض غلاة أنصار فكرة الأمّة الواحدة إلى وقت قريب مضى، فإنّ هذه السلسلة من المقالات تسعى لدق ناقوس الخطر بمسؤولية ووعي، و بلا ميل للمبالغة أو جنوح للتضخيم غير الموضوعي، لخطر بائن يهدّد بانهيار كيان الأمّة. هو خطر لا يقتصر على احتمال انهيار السلطة المركزية في الخرطوم فحسب، بل يُنذر، في حال وقوع انفصال الشمال عن الجنوب، باحتمال تفكّك ما سيبقى من السودان في دولة الشمال العربيّة المسلمة ورسم جغرافيتها السياسية على نحو مغاير، و بتفكيك ما سيبقى حتّى من دولة جنوب السودان الإفريقية كذلك!
خمسمائة عام من التكوين:
لم يكن عبور عرب العبدلاب من شمال الخرطوم الراهنة إلى وسط السودان حيث الزنوج من أُسر الفُونج شيئا غير موعد مع التاريخ قبل أن يكون هناك تاريخ معلوم لأمّة إسمها السودان. فمنذ قبل زهاء خمسمائة عام بدأ مخاض ما يمكن الاصطلاح على تسميته (الأمّة السودانية) من خلال نواة صغيرة للأمّة مثّلتها دولة السلطنة الزرقاء. حينئذ هرع نفر من أهل شمال الوسط (عرب القواسمة والعبدلاب) للتلاقي مع نفر من أهل جنوب الوسط المتمدّد حتّى فيافي كردفان الشمالية وهضبة تقلي من ذوي أنساب تشير بعض الروايات إلى كونها زنجية، ليتمخّض اللقاء عن وليد يحمل، إلى حدّ كبير، سمات الأمّة السودانية الراهنة.
وعلى شاكلة سلطنة الفونج، أُولى ممالك السودان الإسلامية، تكاثر النموذج في بقاع أخرى من وسط هذا السودان الشمالي حيث وُلدت الحالة ذاتها في كردفان لدى قبائل المسبّعات إلى الشمال قليلا، وعند قبائل تقلي. وتمدّد نموذج المُلك المسلم الهويّة غربا إلى دار فور حيث نشأت إحدى أكبر ممالك الحكم المسلم في البلاد والتي تمدّد أثرها بعلاقاتها الممتدّة إلى ما وراء الجغرافيا السياسية للسودان الراهن إلى مصر والحجاز (السعودية) و أسطنبول.
وتواصل التمدّد المسلم، ثقافة وحُكما، إلى تخوم جنوب السودان الشمالية في شمال بحر الغزال وهو الأثر الذي عبر على يدي أسلاف الزبير باشا إلى داخل دول جوار السودان في غرب إفريقيا. وقبيل وعند اندلاع الحالة المسلمة المهدوية توغّل الأثر الثقافي المسلم في جنوب السودان ليبلغ شمال يوغندا على يدي أمين باشا. وجاء من بعد النموذج المهدوي الذي استجمع الرقاع المسلمة من البحر الأحمر في الشرق إلى مشارف دار فور وشمال بلاد الدينكا المجاورة لقبائل بقّارة كردفان ودار فور.
اكتمل، عبر الوقت، التحاق الأطراف بالوسط الذي صنعته السلطنة الزرقاء لتكتمل صورة قاعدة الأمّة إذ التحقت بها سياسيا، في مطالع القرن العشرين، دار فور التي كانت تنتمي سلفا من الناحية الثقافية للنسيج ذاته، فيما التحق بها سياسيا من بعد جنوب السودان بكل تنوّعه وثرائه الثقافي المتدامج حينا مع النسيج الثقافي السائد في سودان الشمال والمتباين معه حينا آخر.
وأن تبني أمّة فليس ذلك نزهة يقضيها بعض الساسة وقادة النخب في معاقرة اللغو السياسي وفي الثرثرة الافتراضيّة (الأرأيتيّة). بناء أمّة، أيّة أمّة، حصيلة، عبر تاريخ طويل، من التفاعل الثقافي والاجتماعي والسياسي. والأمّة مثل الدولة ضرورة اجتماعية لتنظيم مجتمعات الآدميين ولإكساب حياة هؤلاء الآدميين معنى، ولتطوير مشروعات البناء والنهوض الإنساني، و لمنحها أمان الغذاء والنفس، ولإشباع رغبات الشعوب في النجاح والإنجاز والتميّز. ومهما قيل عن هشاشة بناء الأمّة السودانية إلا أنّ السودان في قرونه الخمسة الماضيات أرسى قاعدة راكزة لبناء أمّة تلملم أطرافه وتصنع طينته الهجين والتي هي مع تنوّعها تتشكّل، مثل سائر الأمم، حول تيار غالب تتكامل فيه عناصر التكوين الثقافي والإثني الإفريقي العربي والثقافي المسلم. وهذا التيار الغالب بالضرورة تيار وحدوي كذلك، إذ يرى في وجود الأمّة السودانية وفي وحدة كيانها الجغراسياسي متلازمتين لا تنفصلان.
وهذا هو التكوين ذاته الذي يوفّر الإجابة على سؤال الهويّة، إذ الهوية ليست قرارا سياسيا يُفتي فيه البرلمان أو يقضي فيه مجلس بلدي. الهويّة هي عملية تكوين دؤوبة تأخذ مداها في التاريخ وتتفاعل في تشكيلها حزمة مؤثّرات تصنع آخر الأمر الملامح الغالبة لأمّة ما. وهكذا فالهوية تفرض نفسها على ذويها مثل الميلاد والإسم بالنسبة للإنسان، يملكهما معا غير أنّه لا يملك حقّ تحديدهما بداية.
ويستسهل بعض التبسيطيين، وغير قليل من الأخيار من ذوي النيّات الحسنة، النظر في معنى الأمّة ودلالاتها. ولا يعمل هؤلاء النظر في فكرة الأمّة كحالة جدوى بمعايير كسب المعاش و الأمن وبناء قواعد القوّة (القوّة مقصودا بها بناء القدرات المتعدّدة لا مجرّد القوّة العسكرية كما يرد إلى الخاطر تلقائيا) التي لا تعود بالنفع على الأمّة المقصودة فحسب بل على المجتمع الإنساني كافة. فالصين التي تحتضن مليارا وربع المليار من الأدميين الصينيين دون أن يسبّب ذلك لجسدها أعراضا مرضيّة من ضروب الإسهالات والالتهابات أو العدوى الفيروسية، دع عنك الأمراض العُضال، الصين هذه ذاتها ظلّت تلح في عودة مقاطعة هونج كونج إليها مهما كان الثمن ولقد تحقّق لها ذلك وهي الدولة التي تمارس معيارا قاسيا في تنظيم معدّلات نموّها السكاني بحيث لا تنفجر سكانيّا. وهي الدولة ذاتها التي لا زالت تنازع تايوان في كون الأخيرة كيانا مستقلا عن الصين الأم. بل الهند التي تناهز بمواطنيها نحوا من المليار نسمة لم تدفع هذه الحمولة من البشر بقادتها إلى البحث عن خيارات لتفكيك الأمّة بحيث يخلد قادتها إلى الراحة من نوائب الكثرة والتنوّع، ما يجعلها تنازع حتّى يومنا هذا على لسان أرض قصير اسمه كشمير لا لسبب غير كونها، فيما ترى، بعضا من جسد أمتها و قطعة من كيانها الوطني.
غير أنّ الوضع في السودان يُشير إلى اتّجاه معاكس تماما لما رأينا في حالتي العملاقين . . الهند والصين. هُنا،وبعد خمسمائة عام من تاريخ متّصل هاهي بوادر رهق وإعياء تضرب بعض الأمّة في كبدها . . نخبتها من المتعلّمين الحاكمين المتحكّمين في مصير الأمّة. وبعد هذه المسيرة الطويلة نسبيا في سبيل الوصول إلى تأسيس الأمّة إذ بنا نواجه اليوم، وبإلحاح شديد، بمهدّد رئيس وبتحديين اثنين. أمّا التهديد فهو لفكرة الأمّة وقاعدتها التي بدأ بناء قواعدها منذ نحو خمسة قرون. وأمّا التحديان فهُما صون نسيج الأمّة من التمزّق، واجتراح مشروع نهضوي يأخذ بالأمة إلى مشارف الحياة الإنسانية الشريفة الكريمة والإسهام بقدر في بناء المستقبل الإنساني.
------------------------------------------------------------------------------------------
ما وراء حاجز عدم الثقة والفتنة العرقيّة (الحلقة الثانية)
الأزمة في دار فور . . لملمة أطراف الجسد المتداعي!
د. محمد محجوب هارون
e-mail: aci333@hotmail.com
استسمح القارئ عذرا أن أقفز فوق ترتيب مسبق لهذه السلسلة من الحلقات حول (مأزق الأمّة السودانية)، بتقديم هذه الحلقة عن الأزمة في دار فور على سابقتها في الترتيب، ريثما نعود الأسبوع المقبل إلى النسق المقرّر سلفا. وهذا التعديل الإجرائي لم تستدعه فقط ملاحظات أوردها، تعقيبا على ما نشرناه في هذه الصحيفة حول مستجدّات النزاع في دار فور، الأخ الأستاذ يوسف عبد المنّان في زاويته اليوميّة في الزميلة ألوان، بل أن تصاعد أعراض تصدّع جدران الأمّة كما يبدو المشهد من جهة دار فور والتعقيد المستمر للأزمة هُناك يستحثّا، قبلا، هذا التقديم.
أذكر أنّني كتبت في ألوان الفاضلة مقالة في ديسمبر من العام 1987 بعنوان(ألسنة اللهيب تحرق أطراف دار فور)، وكان ذلك على خلفيّة تصاعد نزاعات قبلية بين مجموعات من الرحّل ومجموعات من القبائل الزراعية المستقرّة. وكان قد استفز وقوع تلك النزاعات ظروف جفاف ضربت ضمن، مناطق أخرى، غربي السودان وحزاما أوسع من وسط إفريقيا، الأمر الذي دفع ببعض القبائل الظاعنة إلى الهجرة عبر الحدود الغربية للسودان ما أفضى إلى وقوع احتكاكات بينها وبين بعض القبائل المستقرّة. وبدا حينها، وهذا ممّا يحتاج إلى مزيد من الاستيثاق، أنّ حكومة حزب الأمّة كانت تساند بطرف خفي طرفا ضد طرف، ولو جاء ذلك عبر كوادر وسيطة أو ولائية من بين قيادات الحزب.
وفي ظل ما بدا لي من خطر محدق بالأمن القومي السوداني إثر تصاعد أوار النزاع ذاك، استأذنت رئيس المكتب السياسي للجبهة الإسلامية القوميّة، الدكتور علي الحاج محمّد، في ذلك الحين، حضوري اجتماعا للمكتب السياسي للجبهة لأطرح رؤية تبنيتها، حينئذ، حول النزاع في دار فور، ومن ثم، كيفية تعاطي الجبهة الإسلامية معه من موقعها حزبا رئيسا في الساحة السياسية من جهة، وبصفتها حزب المعارضة الرئيس في ذلك الوقت. وطرحت في ذلك الاجتماع الذي شارك فيه بالحضور أغلب عضوية المكتب السياسي من قيادات الجبهة رؤيتي مشدّدا فيها على أنّ تحت ذاك الرماد وميض نار من شأن اشتعالها تعريض الأمن القومي للبلاد لمأزق عظيم، ودعوت من بعد إلى أن تضع الجبهة، وهي في المعارضة، يديها على يدي حكومة السيّد صادق المهدي لتفكيك تلك الأزمة تجنيبا للبلاد مآلات يتضرّر منها الوطن كلّه. ولقد استحسن بعض الحاضرين تلك الرؤية واستتفهها بعض آخر، غير أنّ تعاونا ما لم يحدث، على حدّ علمي، وهاهي النار تسري في الجسد كورم سرطاني!
و منذئذ، ظل العنف مسيطرا، مدّا وجزرا، على دار فور إلى أن بلغ حدّ إعلان تمرّد مسلح أوّل شجّعه ووفّر عدّته متمرّدو الحركة الشعبية في مطلع التسعينيات بقيادة الباشمهندس داؤود بولاد، وهو تمرّد تمّ حسمه في حينه عسكريّا، ومن ثم إعلان تمرّد ثان بنهاية العام 2002، وهو التمرّد الذي ما يزال يتفاعل على رقعة جغرافية أوسع، وبأصداء سياسية وعسكرية أشدّ دويّا.
والحال هذه فالذي أمامنا ليس سؤالا مادتُه أحمد و محمّد أحمد. سبب الأرق ومادّة الانشغال هو سهو القوم . . قادة القوم . . عن رؤية التصدّع الكبير الذي يضرب الطبقات الخرصانية من البناء القومي وهيكل الأمّة. فدار فور. . ظاعنوها ومزارعوها . . سُمُرها و زُنُوجها . . تمثّل غزلا متينا في نسيج الأمّة من جهتين هما الإسلام والوحدوية. فالأمّة السودانية كما أشرنا في الحلقة الأولى من هذه المقالات تشكّلت في حالها الراهن عبر نسيجين هما الإسلام والوحدوية، إذ نشأت وتطوّرت في الخمسمائة عام الأخيرة دويلات وممالك إسلامية على خلفية حضارات أخرى مندثرة، و ما لبثت الدويلات والممالك الإسلامية، إلى جانب قوى وطنية (وحدوية) غير مسلمة في جنوب البلاد، أن شكّلت السودان بهيئته الراهنة.
ولو أنّ منحنى من التراجع عن مشروع الوطن (سنأتي على تفصيله في الحلقة القادمة) آخذ في التحرّك على عكس أشواق دعاة السودانية من لدن المشروع المهدوي مرورا بحركة التحرّر الوطني من حملة مشاعل (في الفؤاد ترعاه العناية بين ضلوعي الوطن العزيز)، فإنّ الفشل الأبلج للمشروع الوطني السوداني بدأ يستحث، في حالة شمال السودان، أسباب العودة القهقرى إلى مرابع القبيلة والعرق و إلى الإنكفاء ناحية الهُويّات الطبيعية غير المركّبة منذ مطالع الثمانينيات. هذا غير أنّ نزوعا في جنوب السودان لاشتقاق هويّة خاصّة قد بدأ في حين أبكر.
وحين انكشف فشل المشروع الوطني السوداني في استجماع الأمّة على بساط واحد، مركزها وهوامشه، أخذت بعض الهوامش المأزومة تبحث عن خلاص متوهّم في الإنكفاء والبحث عن ذات أخرى في حركة معاكسة لوقائع التجربة الإنسانية المعاصرة المتقدّمة باتّجاه بناء كيانات أوسع تتجاوز الكيان القطري إلى تجميع الكيانات القطرية بعضها إلى بعض في وحدات سياسية أكبر، ويقف على ذلك شاهدا قفز أوربّا المتباينة إثنيا ولغويّا واقتصاديا على كياناتها القطرية إلى حالة الكيان الأوربّي الموحّد، هذا غير نماذج التقارب الوظيفي عسكريا مثل الناتو واقتصاديا مثل الأبيك والنافتا واقتصاديّا وثقافيا وأمنيّا مثل مجلس التعاون الخليجي... .
والراجح في تفسير التراجع عن مشروع الوطن هو أنّ السياسة والسياسات أسهما، ويٌسهمان، معا في إحداث وفي تسويغ وتسويق جدوى هذا التراجع. السياسات أخذت توسّع يوما بعد الآخر فجوة عدم التوازن في الإنماء وإمداد الخدمات وتوزيع مقدرات البلاد على نحو أقرب إلى العدل، حتّى أضحى المركز من الجاذبية ما جعله يمارس إفراغا متّصلا للريف وهوامش المركز ممّن تتوفّر لديهم إمكانية الهجرة وخبرتها، أمّا عديمو الحيلة فمصيرهم أن يبقوا صرعى للبؤس واليأس والانخراط في مشاريع الخلاص الانكفائية!
أمّا السياسة فقد ارتدّت إلى ما دون التماهي الوطني الذي ساد في حقبة التحرّر الوطني إلى سفوح الطائفية والقلبية. فأحزاب الحركة السياسية الكبرى أوغلت في رسم خطوط كنتور عضويتها على تقاطيع القبيلة والإقليم الجغرافي. وبالرغم من تطوّر الأحزاب الكبرى تلك إلى وحدات سياسية وتنظيمية جمعت بين القبائل في إطار الطائفة الواحدة، وتجاوزت الطائفة بضم محازبين من خارج الطائفة، إلا أنّ فشل السياسات التي خطّتها وأشرفت على تنفيذها النخبة السياسية الحزبية والعسكرية فتحت الأبواب واسعة إلى أوبة من جديد إلى الهويّات القبلية والعرقية.
وُيعزى فشل السياسات في دار فور، ضمن أطراف أخرى تشابه الحالة الدار فورية، إلى إخفاقها في تحقيق معدّلات من التنمية البشرية تتناسب وحجم التنمية البشرية التي حُظي بها المركز النيلي على وجه التحديد، مع ضعف معدّلات التنمية البشرية في البلاد بوجه عام قياسا إلى دول مشابهة في العالم العربي وإفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. ومن حيث أنّ التنمية البشرية هي مربط الفرس فإن التباين في تحقيقها على النحو المتكافئ الذي أشرنا إليه فتح المجال إلى تعريف المظالم ليس على أساس المركز وهوامشه، بل على قاعدة القبيلة ضد الأخرى، بكل أسف. و عمقّت هذه الروح القبلية ليس على أساس قبائل الأطراف ضد المركز، وإنّما عمّقتها حتّى داخل الأطراف نفسها، وهذا أسف آخر!
ولقد دفعت السياسة والسياسات في عهد الإنقاذ الراهن إلى تعزيز التماهي القبلي والإثني، على نحو مباشر وغير مباشر. فإفراغ الفضاء العام من الكيانات الحزبية ردّ قطاعات عريضة من المواطنين إلى البحث عن انتماء سياسي في القبيلة بوصفها الكيان السياسي المتاح والذي يحظى بشرعية سياسية ما. وسياسات الإنقاذ التي رمت إلى وراثة القوى التقليدية من خلال التنظيم الجامع {المؤتمر الوطني} أعادت القبلية السياسية من حالة وفاة إكلينيكية إلى صحو من جديد. ولقد أحيت الإنقاذ القبلية السياسية من خلال سياسات بناء النظام الأهلي التي كانت ترمي إلى سحب البساط من الحزبين الكبيرين غير أنّها ارتدّت إحياء للقبلية السياسية، وعمّق من القبلية إلى حدّ كبير رسم جغرافية الحكم الاتّحادي وسياسته على خطوط قبلية بيّنة على امتداد السودان بما في ذلك السياسة في المركز الاتّحادي!
و عودا إلى دار فور، فإنّ الحاجة الأشد إلحاحا هي أن نرى الغابة من الأشجار كما يقول المثل الإنجليزي.
أمران لا ينفعان السودان، مركزه على وجه التحديد. المغالاة في رفض أنّ واقعا من الاختلال في توزيع مقدرات البلاد هو سمة بارزة، هذا أوّلا، وقبل كلّ شيء. يُنكر كثيرون الاعتراف بهذا الخلل من حيث تصوّرهم أنّ الاعتراف به يعني تحميلهم، هُم، مسؤوليته. ولكن ليس هناك رباط شرطي بين الاعتراف بواقعة الاختلال في توزيع مقدرات البلاد وبين تحمّل مسؤوليّة إحداث الاختلال من الناحية الثانية. فالسياسات والسياسة اللتان أفضتا إلى هذا الواقع ممتدّة من بدايات الحكم الوطني، هذا غير سهم الإستعمار في إحداثه. الطريق الأسلك إلى الحكمة، ضالتنا جميعا، هو الاعتراف الشجاع المسؤول بالخلل ومن ثم تحمّل مسؤولية إصلاحه.
والأمر الثاني الذي لن يجرّ السودان إلا إلى تصدّع بنيانه وارتداد تكويناته الأولى إلى مرابع العزلة والإنكفاء، ما يعني تفكيكه طوبة طوبة، هو الركون إلى العنف والعنف المضاد والذي لن تحبسه حدود جغرافية وهميّة كما رأينا في حالة جنوب السودان. و لو أنّ السودان كلّه سيحترق فإنّ الإصرار على العنف من قبل أبناء دار فور سيحيل دار فور أكواما من الرماد قبل أن تمتدّ ألسنة اللهيب خارج المحيط الجغرافي لدار فور، وللجميع في ما آل إليه جنوب البلاد اعتبار.
ومع سيادة العنف والعنف المضاد ستتعقّد القضية لا بدخول أجندة تستغل القتال لصالح ملفات لا صلة لها بمسألة الخلل التي ذكرنا، بل أنّها ستفتح الباب، وفقا لاعتبارات تكتيكية، لاستغلال بعض أبناء السودان الواحد ضد بعضهم، ما يعمل على تأجيج الصراع حتّى بين أبناء دار فور أنفسهم، بحيث يحسب بعضنا أنّ ثمة قضية في أن نناصر هذا الطرف من أبناء دار فور ضد ذاك!
وإلى هُنا فالغابة نرى أم الأشجار واحدة هنا وأخرى هناك؟
الحكمة هي أن نرى الغابة كلّها ما يعيننا على لملمة أطراف جسد يتداعى. أن نترك لهيب دار فور يستعر فلن يكون ثمن ذلك أن يتهرّى نسيج تعايش اجتماعي بين تكوينات مجتمع دار فور المحلي، من أهل الظعينة ومن أهل القرى . . هؤلاء سيُهلك بعضهم بعضا . . نعم . . ولكن الغابة كلّها ستختفي تحت سطوة القطع الجائر. خير من أن ننقض غزل الأمّة أنكاثا أن نلملم أطراف هذا الجسد المتداعي . . جسد الأمّة السودانية الواحدة . . و إلا فلات ساعة مندم!
No comments:
Post a Comment